الثلاثاء، 29 ديسمبر 2009

ليلة دخول الزّعيم



كتبت: سهيلة بورزق

كانت يتيمة الأم، مسترجلة في حركاتها، قوية الجسد، كانت أطولنا جميعاً، لها شعر أشعت ووجه يوحي بالفقر إلى الحنان، كنا نحتمي بها نحن عصابة الأطفال الأشقياء من هجمات أولاد الأحياء الأخرى، كانت زعيمنا وكنا فريقها الذي لا يجرؤ على الخيانة। عندما اكتشفتْ حبي للكتب طلبت مني تعليمها القراءة فهي لم تدخل المدرسة أبداً، كنت أقرأ لها كتب "توفيق الحكيم"، وأكتب لها الحروف على لوح خشبي أملس، وأطلب منها حفظها عن ظهر قلب ثم كتابتها في اليوم التالي، كانت تقول لي كتبك مختلفة عن القصص التي أراها عند باقي الأطفال، ولم أكن أدري لماذا كنت شاذة عن باقي رفاقي، كنت مهووسة بـ"طه حسين" و"جبران خليل جبران" "ونجيب محفوظ" وقبلهم جميعاً "توفيق الحكيم" الذي أخذ عقلي وقلبي وروحي إلى عوالم السحر والخيال
كانت تغضب منا عندما يخطئ أحدنا ويناديها بـ"الزعيمة"، فهي "الزعيم" فقط من دون تاء التأنيث التي تربكها وتضعف صورتها أمامنا على حسب قولها، كانت تأمرنا إناثاً وذكوراً، وتقترح علينا ماذا نلعب، وماذا نغنّي، وماذا نحضر من البيت من حاجيات تساعدنا على تخيُّل عالم طفولي ما نعيش فيه للحظات... وعندما تغضب من أحد لا تتركه إلا والدم ينزل من جهة ما من جسده، وإذا حصل وأخبر أهله يُقصى من الفريق ولن يلعب معه أحد.
كانت قاسية الطباع، ومحبةً للكتب، وعاشقةً لرفيق لنا اسمه "عادل"، كان الوحيد الذي لا تعاقبه مثلنا ورغم عدم اهتمامه بها، كانت لا تغار عليه من الأخريات، ولا تسأله اللعب معها، وربما كانت تكتفي بالنظر إليه والابتسام في وجهه فقط. كبرنا وانطفأت شقاوتنا وفرقتنا الحياة، وبقت "الزعيم" وحيدة في الحي تنتظر معجزةً من السماء متمثلةً في "عادل".
عرفتُ بعد سنوات أن "عادل" تعرَّض لحادث مرور أفقده رجليه وكان وحيد أمه، لم تتحمل والدته الصدمة فتوفيت، "الزعيم" هي الوحيدة من كانت تزوره في بيته، وتهتم بشؤونه رغم أقاويل الجيران التي أساءت إلى سمعتها، قيل لي إن أباها قرر تزويجها من صديق أرمل له عشرة أطفال حتى يتخلص من عارها وهي المملوءة طهراً وحباً، قاتلت لأجل قلبها طويلاً، وعن عشق صارحت "عادل" بحبها وبرغبتها في أن تصبح زوجة له، لكنها صدمت وهي تسمع "عادل" يقول لها: أنا لم أحبك يوماً.
ارتفعت الزغاريد في الحيّ، ورقص العريس العجوز وأولاده العشرة حتى الصباح، وفي دخلته عليها اكتشف أن التي تزوجها لا تملك ما تملكه جميع النساء، فخرج يصرخ ويستغيث: (لقد تزوجتُ رجلاً... لقد تزوجتُ رجلاً).. فهمت لحظتها لماذا لم تكن "الزعيم" تحب تاء التأنيث، هل تصدقون؟.

ضجيج في رأسي



كتبت: سهيلة بورزق


عندما لا تجد ما تفعله اكتب عن الأغنية التي تحدث ضجيجا في رأسك ، وتحوّلك اٍلى راقص محترف ، وعندما لا تجد ما تقوله اتصل من هاتفك باٍمرأة تجيد قراءة ما يدور في جسدك ، أما اٍن كنت غير قادر على فعل شيء فنصيحتي لك هي انتظار ما لا ينتظر وحينها فقط ستبدأ مشاعرك بالتحسن تجاه ما لم تكن تكترث لوجوده في حياتك.
أعتقد أن الغباء حالة مستحبة لاٍنسان لا يجد ما يفعله في حياته حتى لا ينفجر عقله وتتحوّل ذاكرته اٍلى قطعة أثرية نادرة.
الحياة ببساطة قلق دائم سريع التواصل ، و هي الغواية التي تدركنا ونحن على بعد خطوة من الموت ، هي السؤال الذي يبعث فينا التأمل وهي المسألة التي تربك خطواتنا باٍتجاه الذات ، هي الجريمة الوحيدة التي لا يعاقب عليها قانون الأرض ولا قانون السماء اٍن لم تتورّط في غير المسموح به ، لكنّها من جهة ثانية أجمل بكثير عندما تغازل المحرّم من الأمور ، بل ان المحرمات هي اللّذة التي ترقص لها الحياة اختلافا.
لقد شعرت بطعم الاختلاف في حياتي عندما قررت عدم الكف عن الكتابة بجرم وبعري وبوقاحة وبعهر وبكل ما لا يسمح به ، وجدت نفسي أكثر انتظارا لأمر ما سيحدث في حياتي ولو متأخرا ،ووجدتني أقف أمام مرآة ذاتي أبتسم بسخرية لي كما لو أني ألتقيني لأوّل مرّة في شكلي الممسوخ ،فأحيانا يطلع صوتي من يدي ،وأقرأ الكتب بظهري وألمس الأشياء بأذني.
التفاصيل تهرب مني دوما في الاٍتجاه الآخر وأنا أركض خلفها وألهث كمجنونة.
هناك ما يعبث بنا ، هناك ما يمنحنا الثقة في جوهر العبور اٍلى لغة تكتبنا أكثر مما نكتبها ، هناك خلطة سرّية تمدنا بأسئلة الليل الطويل الذي تتراجع أوهامه أمام رشة ضوء من عيني الشمس ، هناك ما يعترض أحلامنا الصغيرة التي بحجم القلب ، النابض دوما بحب .
أسوأ ما في الحياة أنها لا تنتظر أحدا واٍن حاولت الرّكض فيها اختلت فيك موازينك ،لا عبث هنا ولا خيار لنا اٍلا القليل من رتوشات الصمت.
سأحاول اليوم الغطس في قاع البحر بمعدات جهزّتها من قبل لكي أتحرر من الطبيعة ، سأغوص عميقا ، سأحاول ترتيب ما بداخلي من فوضى تحت الماء ، سألتقي بسمكة تشبهني ، واٍن اٍلتقيت بالسيّد القرش سأقبله من شفتيه وسأتواعد معه ليلا في شقته لكي يفترس ما تبقى مني من أفكار ، سأخبره بأن القروش البريّة لا تفهم في النساء غير ما يحتويه جسدها من ثقوب تثير فيهم الغضب ، فينقضون عليها بجنون ،سأخبره انني أنثى عطشى ومملوءة بالخيال ، سأمارس معه كلّ ما يخطر ببالكم ، سأجعله يتقلب فوق أفكاري ، سأحبه وسأجعله يعشق مدّي وجزري فيه.
في اليوم الموالي سأسحب خطواتي في زيارة اٍلى الأموات ،سأضع على جميع القبور وردة وأغنية ، سأقبّل التراب ،أمسح وجهي به ،وأجلس بالقرب من قبر ما لا أعرف هويته أقص عليه حكايتي.
ربّما لن يسمعني أحد ،لكن _على الأقل_ الأموات لا يكذبون في صمتهم ،سأترك كتابي المفضل هناك وأغادر سيأتي آخر مثلي اٍلى المكان نفسه ليحكي أوجاع الحياة فيه ، فنحن مصابون بالحيرة على الدوام ، لا نكترث للأجوبة اٍلا اٍذا سألنا وعندما نفعل تكون الاٍجابات قد اختلفت وربّما ازدادت حيرة هي أيضا.
عندما لا تجد ما تفعله اكتب عن الحلم الطفولي الذي تناسيته فقد تتحقق تفاصيله على الورق ،أما أنا فلست أعرف كيف أملأ فراغ يومي رغم أنّني قمت بكل ما نصحتكم به اٍلا الغباء.

السبت، 26 ديسمبر 2009

شرف الرّجال



كتبت: سهيلة بورزق

كان يبتسم ويحرّك طرف يده اليمنى مودعا لها على الجانب الآخر من الرّصيف ، كانت تبتسم أيضا بعينين مغرورقتين تقول له بهما أريد أن أبقى معك.
لكنّه كان تتاريا في مشاعره ، رجل يفكر كالساعة الرقمية بالدقيقة والثانية، يغادر شعابها بعد أن فتك بها حد الغلط ثم اعتذر ببلادة ، الرّجل فيه لا يعترف بالحب على طبق الجسد ، لم يتعوّد على العطاء لذلك فهو عاطل عن التفكير ، قال لها : أنا لا أتزوج المرأة السهلة فردت : لكنّني أحبك ، قال : الحب عندي لا يسمح بالغلط ، قالت :لكنك سألتني الحب ، قال : كان عليك أن تقولي لا ، قالت : لكنني أقول دائما نعم للحب ، قال : آسف أنت لست من أتمناها رفيقة لي
ودّعها بحقد وودعته بحب.
آلاف القصص الغرامية التي تبدأ بذريعة الحب وتنتهي بذريعة الشرف لكن في الأخير لا أحد يدري هل التي تزوجها هذا الرّجل شريفة حقا أم مرّ عليها قطار رقمي سريع يحمل مليون راكب قبله،. من العيب ونحن في القرن الواحد والعشرين أن يقاس شرف المرأة بغشاء لا قيمة له أصبح الطب المتقدم اليوم يعالج تمزقه بثمن جد زهيد وأتحدى أي رجل فوق الأرض أن يكتشف خيانة المرأة له في معالجة شرفها ،اٍذن لا ثمن للشرف يا أصدقائي والعالم كلّه يتعاون في تطبيب مفهوم الاٍنسان فينا .ها هي الأردن البلد العربي الأوّل الذي يكثر فيه قتل النساء تسمح لشبابها بمطالبة العروس بشهادة عفتها ، أليس من الحقارة أن ترتبط امرأة برجل يسألها ذلك؟ أليس من القبح أن يعاشرها بعد تهمة وجهها لها بطريقة غير مباشرة ؟وكيف ترضى هذه المرأة بالمذلة مهما كانت ظروفها؟ أنا أفهم أن العيب ليس في الشرف وليس في المرأة وليس في الرّجل ولكن العيب في صمتنا جميعا عما يحدث في بناتنا، وأخواتنا ،وعماتنا ،وخالاتنا،وجاراتنا، وجميع من تمس كرامتهن في العالم.
من طبيعة الاٍنسان السوي التعامل مع الآخرين بطيب نية فلماذا لا يتعامل الرّجل العربي بطيب نيّة مع المرأة ؟ لماذا يحدّد قيمتها في غشاء مهين؟ سيتهمني الكثير منكم بالفجور والتفتح المبالغ فيه وبأنّني أدعو النساء للفجور والتّحرر لكن التّحرر من ماذا ؟ أنا لا أدعو أحد للحرية كيفما كانت فأنا كفيلة بذاتي فيها لكنّني ككاتبة كفيلة بنفض الغبار عن نساء مثلي دمهن العربي من دمي وأخلاقهن من أخلاقي وقلقهن من قلقي وحزنهن من حزني ألا يكفيهن حزنا على من قبرن أحياء في غابر التاريخ لا تقولوا لي ذلك كان قبل الاٍسلام لأنّ ما يحدث للمرأة الآن لا هو من الاٍسلام ولا المسيحية ولا من أية ديانة أخرى هو في الحقيقة من ديانة الجهل التي لم تنزل بعد والله سبحانه وتعالى بريىء منها .
أستقولون لي توقفي عن المهاترات؟ والله لا توجد مهاترات مثل التي نعيق بها تطور النساء في بلداننا التي نريد لها التّطور والديمقراطية والحداثة، فليرجمني صعاليك الشرف اٍذن بالكذب والبهتان فوالله لن أسكت عن حق كان لي عن طبيعة أتمتع به كيفما أشاء وحيثما وجدت مع لا اعتذاراتي لجميع الرّجال.

رسالة اٍلى جسدي



كتبت : سهيلة بورزق

أكان عليّ أن أكتب بحرقة الغياب عنك أنت المصلوب والمرتعش كحبة قمح في قلب السنبلة ؟ ثم لماذا أكتب اٍليك بصيغة المذكّر وأنا لا أفهم لماذا يستهويني ذلك ؟ ألأنّ الذكورة قانون طبيعي تقتديه الضرورة الحياتية في جميع الأمور؟ لماذا يعنيني السؤال عنك كلّما تناسيت ذاتي فيك؟ ولماذا يهمني

أمرك اٍلى درجة التهمة بك؟ كان يجب أن تكون مؤنثا حتى وأنت تتقيّد بروح ذكر شارد فلست أشك في العري الفاحش الذي يسكنك والثقوب الفاجرة التي تتوسط قناعتك ··· يا جسدا متوحدا في صمت الرغبة والجنون· بالأمس فقط وصلتني رسالة مستعجلة من قلبي أخبرني أن العمر فيك شهوة وأن القصائد طيور مبتلة بالعشق وأن الوديان والجبال والأشجار والسماوات أجساد مختلفة تبادلك العبادة بغير اللغة التي يفهمها البشر· أتبتسم في خبث استثنائي لي؟ سأبتسم أيضا وسأحبك أكثر حين تولد رعشتي فيك زمنا غير طائش ، سأبتسم في خبث مثلك لأنّ جميع الأجساد تخون في ترف غير معلن وتدمع لأجلك، هل تصدق ذلك؟· ما زلت أتألم بك رغم السنوات ولا زلت أفتش بين دفاتري القديمة عن رسائلي الأولى اٍليك ،هل وصلتك رسائل قلبي ؟ هل وصلتك رسائل طفولتي؟ليس هناك فرق بين الطفولة والقلب،كما ليس هناك فرق بينك وبين الألم، ربّما الفرق الوحيد الذي يميّزك عن باقي الأجساد المتحركة وحتى الجامدة هو التّورط في الحياة أكثر كلّما امتزجت فيك المتعة مع الحب فبدونهما يتحوّل الشبق فيك اٍلى عنصر خيال غائب غير متدارك وغير متواصل· قالوا عنّي عاهرة ··· هل تسمعني؟
أنا أبتسم··· أوووووف نسيت كدائما أن أخبرك أن جرائم الشرف ارتفعت اٍلى درجة الخزي والعار، هم يقولون ذلك وصحفهم واٍعلامهم المرئي والمسموع ،اٍنهم يتهمونك بتهم الاستعجال في محبتك ، هم لا يعرفون أن شرح الأمور يستوجب الغرق فيها حتى الثمالة وأن الشرف لا علاقة له بك وأن القتل بسببك يمارسه الاٍنسان وحده لأنّه ناطق ، و لأنّه يستعمل عقله لكي يتعذب به ولكي تتقادفه الأخلاق المتوارثة عن جدود احترفوا الفشل في كلّ شيء·أنا لا زلت عذراء بك بفتنة التقاسيم التي تعانقك عند كلّ حكاية ، أحاول الآن أن أتذكرك في سرّي حتى لا يسمع أفكاري أحد فأسجن في غياهب التهمة وأتحوّل اٍلى أنثى مشروعة للفكرة وللتّحرش اللغوي الغبي·أعاتب غيابك اليوم فلم أتعوّد منك الغياب أبدا،أنا حزينة في شيطان الوقت، أعدّ الساعات الثملة لكي لا أنتحر،أنا منتحرة من دونك لو تعلم ومفككة الأخلاق لا كما يفهمها الشارع المتحالف ضد الحب والجسد واٍنّما كما يفهمها الله وحده· قل لي متى ستعود من رحلتك الطويلة؟ هل سكنك القفار من دوني؟ هل اعتلتك خيوط العنكبوت الشرسة؟، ستعذبك اٍذن وسأتعذب معك على طريقة ماما نويل التي لم يسمح لها بالظهور اٍلى غاية الآن ،لقد قيل لي اٍنها حورية من الجنة توزّع المتعة على الأطفال الكبار في سنك في عيد ميلادها من كلّ عام ، قيل لي أيضا اٍنّ الرّجال معها يقترفون الكتابة على جسدها لكي يختلفوا ويصمتوا عن معصية الجسد· ها هي بابي موصدة في انتظارك ، حينما تعود لا تدقها ستجدني جالسة على كرسي حكايتنا أتلصص على ذاكرتي ،وعلى الكثير من الأسئلة التي لم يحدث أن أجبتني عليها هروبا منّي·يا الله ما أحوجني اٍليك الآن في رغبتي الجامحة · لم أعد أسمع أصوات الرّجال وهم ينقرون بحبرهم على زجاج الورق ، الرّجال الأغبياء الذين خلقوا في شكل شر وتعلموا الغواية على يد باب نويل الأحمق الذي تحوّل بعد عمر اٍلى حلم جميع الأطفال في عيد الكريسمس· سأنتظرك اٍذن وعلى كتفي أغنية في شكل طير تنسيني برد الغياب و برد جوعي اٍليك· لك غيمة وقبلة·


الوهم


كتبت: سهيلة بورزق


كنت أعشق البحر
وكان يعشق الجبل
كنت أعرف سرَّه
وكان يعرف مطبّاتي الهوائية كلَّها
كنا نلتقي عند كل مساء، أرتدي له ما يحبّ، وأضع المساحيق على وجهي كأية أنثى مبهورة بالألوان وأنتظره.
كان يجيء محملاً بالحكايات عن آخر أحلامه.
هو لا يزال يحلم رغم الخيبات الكثيرة التي هزمتنا، وأنا مازلت أنتظر قرار زواجه بي.
كنت أفكر على طريقة أمي... الزواج هو الأمان.
تعثرت أحلامي معه، كان يطلب مني المتعة في كل فرصة لقاء، أظنه لن يفكر في الزواج بي أبداً.
وبدل أن يرفضني هو رفضته أنا، وبدأت أتحجج بفقرنا متخلّيةً عن الحلم ببيت مستقل يجمع آمالنا وحتى خيباتنا.
لم تكن تجربتي معه قوية، ولم يكفِ الحب ليصدَّني عن قرار الانفصال.
عندما واجهتُ أمي بقراري أُغمي عليها، بعد يومين اتصلت بعمّي في قريته البعيدة، وطلبت منه الحضور فوراً، أخبرَتْه بمصيبتي وحمَّلْتُه مسؤوليتي، هربتُ ليلاً من البيت إلى مكان مجهول، وتركت لأمي الغالية رسالة طويلة أشرح لها فيها الأسباب التي جعلتني أتخلى عن خطيبي والتي جعلتني أهرب إلى حيث لا أدري، ربما يكون حضنُ المجهول أرحمَ من عمي وقريته وبلادة الفلاحين، قمت بالتسجيل في الجامعة الليلية، واشتغلت نهاراً في مكتبة عمومية، أما النومُ فكنت أتدبر أمري، مرةً في بيت صديقة ومرةً في الفندق، أخذت شهادتي بامتياز مع منحة إلى أستراليا، سافرتُ، تركتُ خلفي انكسارات في حجم الموت، كنت أحاول أن أنسى ما كنت عليه، لكنّ صوتاً عميقاً يسكنني كان ينفجر في رأسي، يذكِّرني أحياناً بأُمّي، وأحياناً أخرى بـ(حازم)، ومرات كثيرة بي، بحقيقتي الهاربة طوعاً إلى آخر الدنيا.
لم أحاول أن أحب مرة ثانية، كنت مكسورة وبحاجة إلى من يجمع شتاتي أولاً، تعرفت على (جورجيو) الأمريكي الأصل حلّقتُ معه في فضاء الحرية، نلتقي حبيبين، ونفترق زملاء مهنة ودراسة حتى انتفخ بطني، لم يسألني التخلي عن شيء، ولم يحاول طرد أحلامي فيه، وفّر لي الأمان وأحبني كما لم يفعل من قبل، اكتشفتُ أن الحب على طريقة (حازم) وَهْم... لم أفكر في العودة إلى أمي رغم السنوات التي فعلتْ ما فعلتْ بقلبي، لقد تأكدت أنني خُلقت في المكان الخطأ مرتين، مرةً بسبب الوطن ومرةً بسبب (حازم)، ابتلعتني الغربة وعشت عمري مع (جورجيو) بلا حب، يكفي أن العقل كان يسيِّر حياتنا بلا ملل، أما الفِراش فكان عملية لها ألوهيتها، ولم تكن تتطلب أكثر من متعة، عندما سافرتُ إلى الوطن، أو أقول إلى أُمّي، اكتشفت أنني كنت المرأة الوحيدة التي حققت أحلامها عن وَهْم.
ماتت أمي، مات (حازم)، ومات عمّي، وبقت حكايتي غصّةً في قلب الوطن.
مسحتُ دمعتي واستسلمتُ إلى غيابي أبداً.